عربي
Wednesday 18th of October 2017
code: 89443
ممّا يتعلّق بشهر المحرم و ما فيه من حال معظم‏

الإقبال بالأعمال الحسنة فيمايعمل مرة في السنة ج : 3 ص : 25

الباب الأول

 

فيما نذكره ممّا يتعلّق بشهر المحرم و ما فيه من حال معظم

 

و فيه فصول: فصل (1) فيما نذكره من شرف محلّه و التنبيه على ما جرى فيه على النبي صلّى اللّه عليه و آله اعلم انّ هذا شهر المحرّم كان في الجاهلية من جملة الزمان المعظّم يحرّمون فيه الابتداء بالحروب و القتال، و يحترمونه ان يقع فيه ما يقع فيما دونه من سوء الاعمال و الأقوال، و جاء الإسلام شاهدا لهذا الشّهر بالتعظيم، و دلّ فيه على العبادات الدّالة على ما يليق به من التّكريم. فجرى فيه من انتهاك محارم اللّه جلّ جلاله و الرسول الذي هداهم اللّه جلّ جلاله به إليه و دلّهم عليه، من سفك دماء ذريّته العزيزين عليه، ما لم يجر مثله في شي ء من الأزمان، و بالغ آل حرب و بنو أميّة في الاستقصاء على آل محمد صلوات اللّه عليه و آله و ذهاب حرمة الإسلام و الايمان. و ما وجدت في تاريخ سالف و لا حديث كفر متضاعف انّ قوما كانوا عاكفين على صورة حجر أو خشب يعبدونها بجهدهم و يطلبون من الحجر و الخشب ما لا يقدر عليه من رفدهم و يخضعون لذلك الحجر و الخشب، و قد افتضحوا عند الألباب و صاروا من أعجب العجاب، فحضر من دلّهم على أنّ الحجر و الخشب لا ينفع من عبده، و لا يدفع عمّن

 

الإقبال بالأعمال الحسنة فيمايعمل مرة في السنة ج : 3 ص : 26

 

قصده و لا يدري لمن حمده او جحده، فلم يقبلوا من النّاصح الشفيق، و اجتهدوا في عداوته و محاربته بكلّ طريق. فاحتمل الناصح جهل المشفق عليه و تلافى«» عداوته بالإحسان إليه، حتّى أدّى الأمر إلى قهر هذا الضال الهالك، و جذبه بغير اختياره إلى صواب المسالك. فلمّا وقفه الناصح على صحيح المحجّة، و عرّفه ما كان يجهله من الحجّة، و اغناه بعد الفقر و جبره بعد الكسر، و أعزّه بعد الذلّة، و كثّره بعد القلة، و اوطأه رقاب ملوك البلاد، و اراه ابواب الظفر بسعادة الدنيا و المعاد، قام ذاك الضّال عن الصواب الذي كان مفتضحا بعبادة الاحجار و الاخشاب و مشابها للدّوّاب، الى ذريّة مولاه، الّذي هداه و احياه و اعتقه من رقّ الجهالة و اطلقه من أسر الضّلالة و بلغ به من السعادة ما لم يكن في حسابه. فنازع هذا الناصح الشفيق، الرفيق في ولده و في ملكه و رياسته و أسبابه، و جذب عليهم سيفا كان للناصح في يديه، و أطلق لسانه في ذرية ولاة المحسن إليه، و سعى في التّقدم و أخذ ملكهم من أيديهم، و سفك دمائهم، و سبى ذريّتهم و نسائهم. اما ترون هذا قبيحا في العقول السليمة و فضيعا في الآراء المستقيمة، و يحكمون على فاعله بانّه قد عاد على نحو ضلالة السالف، و اوقع نفسه في المتالف و إلى الغدر و الخيانة و سقوط المروّة و الأمانة. ا فما كذا جرى لصاحب النبوة و الوصية و ولده مع من نازعهم في حقوق نبوته و رياسته و هدايته، فكيف صار الرعايا ملوكا لولد من حكّمهم في ملكه و ساعين في استبعاد ولده أو هلكه او اراقة دمه و سفكه. تاللّه انّ الألباب من هذا لنافرة غاية النفور، و شاهدة انّ فاعله غير معذور. أ فترضون أن يصنع عبيدكم و غلمانكم و أتباعكم مع ذريتكم أو أقرب قرابتكم، ما صنع عبيد محمّد و غلمانه و اتباعه مع ذريته.

 الإقبال بالأعمال الحسنة فيمايعمل مرة في السنة ج : 3 ص : 27

 

كيف اشتبه هذا الحال عليكم مع ظهور حجّته، لقد بلينا معشر فروع النبوّة و الرسالة بمنازعة أهل الضلالة و الجهالة، و عقولهم شاهدة لنا بقيام الحجّة عليهم و قلوبهم، عارفة بأنّنا أصحاب الإحسان إليهم، و كان يكفيهم ان يتذكّروا ما ذكرناه، من انّهم كانوا عاكفين عبادة الاحجار و الاخشاب و مفارقين لاولى الابصار و الألباب، و المشابهين للانعام و الدواب، و أموات المعنى احياء الصورة، و مصائبهم عظيمة كبيرة. فأحيينا بنبوّتنا و هدايتنا منهم ارواحا ميتة بالغفلات، و جمعنا بينهم و بين عقول تائهة في مسافات الجهالات، و انطقنا منهم ألسنا خرسة بقيود الهدر، و انتجينا منهم خواطر كانت عقيمة بالحصا و مساوية للتراب و المدر، و اخرجناهم من مطامير الضلالة، و هديناهم إلى مالك الجلالة، و سقناهم بعصا الاعذار و الانذار، و سقيناهم بكأس المبارّ و المسارّ، حتّى خلّصناهم من عار الاغترار و اخطار عذاب النار، و أذعنت لنا ألبابهم انّنا ملوكها، و انّ بنا استقام سبيلها و سلوكها. فصاروا بعد هذا الرّق الذي حكم لنا عليهم بالعبوديّة، منازعين لنا في شرف العنايات الإلهيّة و المقامات النبويّة، ان كان القوم قد جحدوا و عاندوا فليردّوا علينا ما دعوناهم إليه و دللناهم عليه، فليرجعوا إلى اصنامهم و قصور احلامهم و فتور افهامهم، فان الاحجار و الاخشاب موجودة، و هي اربابهم الّتي كانت نواصيهم بها معقودة. و تاللّه لو كانوا قد اجابوا داعي نبوّتنا في ابتدائه بغير قهر و لا هوان، لكان لهم بعض الفضل في فوائد الإسلام و الايمان، و لكنّهم اضاعوا كلّ حقّ كان يمكن ان يملكوه أو سبق كان يتهيّأ لهم ان يدركوه، بانّهم ما اجابونا إلى نجاتهم من ضلالهم و خلاصهم من وبالهم الا بالقهر الّذي أعراهم من الفضيلة بالكليّة، و جعلها بأجمعها حقّا للدعوة المحمّديّة و الصفوة العلويّة. فصل (2) فيما نذكره من عمل اوّل ليلة المحرّم اعلم ان المواساة لأئمّة الزمان و أصحاب الإحسان في السرور و الاحزان، من

الإقبال بالأعمال الحسنة فيمايعمل مرة في السنة ج : 3 ص : 28

 

مهمّات أهل الصفاء و ذوي الوفاء و المخلصين في الولاء، و في هذا العشر كان أكثر اجتماع الأعداء على قتل ذريّة سيد الأنبياء صلوات اللّه عليه و آله، و التهجّم بذلك على كسر حرمة اللّه جلّ جلاله مالك الدنيا و الآخرة، و كسر حرمة رسوله عليه السلام صاحب النعم الباطنة و الظاهرة، و كسر حرمة الإسلام و المسلمين و لبس اثواب الحزن على فساد أمور الدنيا و الدين. فينبغي من اوّل ليلة من هذا الشهر ان يظهر على الوجوه و الحركات و السكنات شعار آداب أهل المصائب المعظمات في كلّما يتقلب الإنسان فيه، و ان يقصد الإنسان بذلك إظهار موالات أولياء اللّه و معاداة اعاديه و تفصيل ذلك موجود في العقول و مشروح في المنقول. أقول: فمن الأحاديث عن ائمّة المعقول الذي يصدّق فيها المنقول للمعقول مارويناه بعدّة طرق إلى الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه من أماليه باسناده عن إبراهيم بن أبي محمود قال: قال الرضا عليه السلام:ان المحرم شهر كان أهل الجاهليّة يحرّمون فيه القتال، فاستحلّت فيه دماؤنا و هتكت فيه حرمتنا و سبي فيه ذرارينا و نساؤنا، و اضرمت النيران في مضاربنا، و انتهب ما فيها من ثقلنا، و لم ترع لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حرمة في أمرنا. انّ يوم الحسين اقرح جفوننا و اسبل دموعنا و أذلّ عزيزنا، بارض كرب و بلاء«»، و اورثتنا الكرب و البلاء إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فان البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام. ثم قال: كان أبي صلوات اللّه عليه إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكا و كانت الكآبة«» تغلب عليه حتّى يمضي منه عشرة ايام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته و حزنه و بكائه، و يقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين عليه السلام«».

الإقبال بالأعمال الحسنة فيمايعمل مرة في السنةج : 3 ص : 29


source : دار العرفان / الإقبال‏ بالأعمال ‏الحسنة فيمايعمل‏ مرة في ‏السنة /سید بن طاووس ره
user comment
 

آخر المقالات

  حديث الاقتداء عند العلماء
  ضرورة الرجعة
  مَن هو الإمام المهدی علیه السّلام ؟
  التشاؤم
  الدنيا والتقوی
  آیة الوضوء و کیفیة غسل الایدی
  مکانة الرسول الأکرم عند الله
  أسلوب الحدیث
  الإعجاز العلمی فی القرآن
  وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ